مقدمة: الهدوء الذي يسبق العاصفة
عُد بذاكرتك إلى فبراير 2020.
إذا كنت منتبهاً حينها، ربما لاحظت أخباراً هامشية عن فيروس ينتشر في مكان ما بعيد. لكن معظمنا لم يبالِ. الأسواق كانت منتعشة، الأطفال في المدارس، وكنا نخطط للإجازات ونصافح بعضنا بحرارة. لو أخبرك أحدهم حينها أنه يخزن “الخبز”، لظننت أنه فقد عقله بسبب الإنترنت.
ثم، وفي غضون ثلاثة أسابيع فقط، تغير العالم بأكمله. أغلقت مكاتبنا، عاد الأطفال للمنازل، وأعاد تكييف الحياة نفسه بطريقة لم تكن لتصدقها لو وُصفت لك قبل شهر واحد.
أنا هنا لأخبرك بشيء واحد: نحن الآن نعيش مرحلة “فبراير 2020” لشيء أضخم بكثير من كوفيد.
رسالة من المستقبل القريب: “لقد حدث لنا أولاً”
أكتب هذا بصفتي شخصاً يعيش معظم ايامه غارقا في التيكنولوجيا ومتابعة اخبار الشركات الحديثة، حيث يُصنع المستقبل. السبب الذي يجعل العاملين في مجال التكنولوجيا يقرعون أجراس الخطر الآن ليس لأننا نتنبأ بالمستقبل، بل لأن المستقبل قد دهسنا بالفعل.
في السنوات الماضية، كان تطور الذكاء الاصطناعي تدريجياً. ثم في عام 2025، فُتحت أبواب الجحيم التقني. النماذج لم تعد تتحسن ببطء؛ أصبحت القفزات هائلة والفترات بينها قصيرة جداً.
في فبراير 2026 (وهو تاريخ ليس ببعيد)، أُطلقت نماذج جديدة (GPT-5.3 و Opus 4.6). في تلك اللحظة، أدركت أن الماء قد وصل إلى صدري.
أنا لم أعد أقوم بعملي التقني. أنا فقط “أصف” ما أريد باللغة الإنجليزية، والذكاء الاصطناعي يقوم بالباقي. يكتب عشرات الآلاف من الأسطر البرمجية، يبني التطبيق، يفتحه، يختبره، يضغط على الأزرار، يكتشف الأخطاء، ويصلحها بنفسه.. ثم يسلمني المنتج النهائي ويقول: “جاهز”.
ما كان يتطلب مني فريقاً وساعات، أصبح يتم بضغطة زر وأنا أحتسي قهوتي.
وهم “اللمسة البشرية” والذوق
قد تقول: “لكن الذكاء الاصطناعي يفتقر للحس الفني أو الحكم البشري (Judgment)”.
كنت أقول ذلك أيضاً. لكن النماذج الجديدة كسرت هذه القاعدة. لأول مرة، نرى ذكاءً اصطناعياً يمتلك ما يشبه “الذوق”. إنه يتخذ قرارات ليست فقط صحيحة تقنياً، بل صحيحة “سياقياً”. ذلك الشعور الغامض بمعرفة القرار الصائب الذي كنا نظن أنه حكر على البشر؟ لقد امتلكته الآلة.
لماذا يعنيك هذا كطبيب باثولوجي؟
قد تظن أن هذا كلام يخص المبرمجين. أنت مخطئ.
شركات الذكاء الاصطناعي ركزت على “البرمجة” أولاً لسبب استراتيجي: إذا جعلت الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة الكود، فإنه سيتمكن من برمجة النسخة الأذكى من نفسه. وهذا ما حدث. الذكاء الاصطناعي الآن يساهم في بناء الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي.
الآن وقد انتهوا من “البرمجة”، هم قادمون لكل شيء آخر: القانون، التمويل، والكارثة الأكبر.. الطب.
التجربة التي عاشها المبرمجون العام الماضي – حيث تحول الـ AI من “أداة مساعدة” إلى “أداة تقوم بعملي أفضل مني” – هي التجربة التي ستعيشها أنت قريباً جداً في تشخيص الأنسجة وقراءة الشرائح.
لا تحكم بناءً على تجربة 2024
أسمعك تقول: “لقد جربت ChatGPT وكان يهلوس ويعطي معلومات خاطئة”.
أنت تحكم على تكنولوجيا اليوم بمعايير “التاريخ القديم”. الفرق بين نماذج 2024 ونماذج اليوم كالفرق بين الهاتف الأرضي والآيفون.
إذا كنت تستخدم النسخة المجانية، فأنت متأخر بعامين ضوئيين. المحامون الكبار، والمدراء التنفيذيون، والأطباء المطلعون لا يستخدمون هذه الأدوات للعب؛ هم يستخدمونها لأنها تنجز في دقائق ما يستغرق ساعات.
تسارع مرعب: الأرقام لا تكذب
2022: الذكاء الاصطناعي يخطئ في الحساب (7 × 8).
2023: يجتاز امتحان المحاماة.
2024: يكتب برامج ويشرح علوم معقدة.
2025: يقوم بعمل مهندسي البرمجيات.
2026: نماذج تتفوق على معظم حملة الدكتوراه.
هناك مؤسسات تقيس “الزمن” الذي يستغرقه الذكاء الاصطناعي لإتمام مهمة بشرية معقدة دون مساعدة. قبل عام كانت 10 دقائق. اليوم أصبحت 5 ساعات من العمل المتواصل المستقل. والمنحنى يتصاعد رأسياً.
هل تعتقد حقاً أن وظيفة “مكتبية” (وتشخيص الباثولوجي هو عمل مكتبي معرفي أمام شاشة) ستكون بمأمن؟
الانفجار الذكي: الذكاء يبني الذكاء
أخطر ما في الأمر هو ما ورد في الوثائق التقنية لـ OpenAI مؤخراً: “نموذجنا الجديد ساعد في بناء نفسه، وتصحيح أخطائه أثناء التدريب”.
اقرأ الجملة مرة أخرى.
نحن لا نتحدث عن خيال علمي. نحن نتحدث عن “حلقة تغذية راجعة” (Feedback Loop). كل جيل يبني جيلاً أذكى، والجيل الأذكى يبني الجيل التالي بشكل أسرع. الخبراء يسمون هذا “انفجار الذكاء” (Intelligence Explosion).
ماذا يعني هذا لوظيفتك؟
سأكون صريحاً معك لأنك تستحق الصدق أكثر من الراحة.
داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic (وأكثرهم حذراً)، يتوقع أن يزيح الذكاء الاصطناعي 50% من الوظائف المعرفية خلال سنوات قليلة.
الذكاء الاصطناعي لا يستبدل “مهارة” واحدة، هو يستبدل “العمل المعرفي” ككل.
العمل القانوني: يكتب العقود ويحلل القضايا.
التحليل الطبي: يقرأ الأشعة، يحلل الشرائح، يقترح التشخيصات، ويراجع الأدبيات الطبية بمستوى يضاهي أو يفوق البشر.
قاعدتي الذهبية الآن: إذا أظهر النموذج “لمحة” من القدرة اليوم، فالجيل القادم سيكون “محترفاً” فيها.
هل سيستبدل التعاطف البشري؟ ربما لا. لكن إذا كان جوهر عملك هو الجلوس أمام شاشة، وتحليل صور، وكتابة تقرير.. فالذكاء الاصطناعي قادم لأخذ جزء كبير من هذا العمل.
ماذا يجب أن تفعل؟ (خارطة الطريق للناجين)
أنا لا أكتب هذا لإخافتك، بل لأمنحك الميزة الوحيدة المتبقية: الأسبقية.
استخدم الأدوات المدفوعة فوراً: لا تحكم على الذكاء الاصطناعي من خلال النسخ المجانية “الغبيه”. ادفع الـ 20 دولاراً. إنها استثمار في بقائك المهني.
لا تعامله كمحرك بحث: هذا هو الخطأ القاتل. لا تسأله أسئلة سريعة. اطلب منه “العمل”. أعطه تقرير حالة معقد، اطلب منه تحليل التباينات، اطلب منه كتابة كود لتحليل صورة شريحة. ادفعه إلى أقصى حدوده.
كن “الشخص الذي يعرف”: هناك نافذة زمنية ضيقة جداً الآن. الشخص الذي سيدخل اجتماع القسم ويقول: “لقد استخدمت AI لإنجاز هذا التحليل في ساعة بدلاً من 3 أيام” سيصبح الشخص الأهم في الغرفة. كن أنت هذا الشخص قبل أن يسبقك غيرك.
المرونة هي المهارة الوحيدة: الأدوات تتغير كل شهر. المهارة ليست في إتقان أداة معينة، بل في “عضلة التكيف”. تعلم كيف تتعلم بسرعة.
التزام الساعة الواحدة: خصص ساعة يومياً لتجربة شيء جديد مع الذكاء الاصطناعي. ليس للقراءة عنه، بل لاستخدامه. إذا فعلت هذا لمدة 6 أشهر، ستكون متقدماً على 99% من زملائك.
الخاتمة: المستقبل يطرق الباب
نحن تجاوزنا مرحلة “نحادثات العشاء الممتعة” حول المستقبل. المستقبل هنا بالفعل.
القطار غادر المحطة، والسرعة تزداد بجنون.
الأشخاص الذين سيخرجون من هذه المرحلة بسلام هم الذين يتعاملون مع الأمر ليس بخوف، بل بفضول وإلحاح.
لا تنتظر حتى تقرأ عناوين الأخبار بعد 6 أشهر عندما يكون الوقت قد فات. ابدأ اليوم.
