لماذا يفشل الذكاء الاصطناعي في الباثولوجي؟ السر الذي يغفله المبرمجون


في خضم الضجيج الإعلامي حول قدرة الذكاء الاصطناعي (AI) على استبدال الأطباء، ننسى حقيقة جوهرية: الذكاء الاصطناعي بدون طبيب باثولوجي هو مجرد خوارزمية عمياء.

كثيرًا ما نرى أدوات تقنية مبهرة بصرياً، لكنها تفشل فشلاً ذريعاً عند تطبيقها في “سير العمل” (Workflow) الحقيقي داخل المعمل. السبب بسيط وقاتل: غياب اللمسة السريرية (Clinical Context).

في هذا المقال، نناقش لماذا يعتبر وجود الطبيب في قلب عملية تطوير الـ AI ليس مجرد “إضافة” بل ضرورة لبقاء المشروع، مستلهمين رؤى من خبراء المجال مثل د. ديانا مونتيزوما (رئيسة وحدة البحث والتطوير في IMP Diagnostics).

1. درس من الماضي: لا تكرروا أخطاء الـ Viewers

هل تذكرون الجيل الأول من برامج استعراض الشرائح الرقمية (Digital Pathology Viewers)؟ كانت كارثية.
السبب هو أنها طُورت بواسطة مهندسين بارعين في البرمجة لكنهم لم يجلسوا يوماً واحداً خلف ميكروسكوب. النتيجة كانت برامج تفتقر لأبسط الأدوات التي يحتاجها الطبيب للتشخيص اليومي.

نفس السيناريو يتكرر اليوم مع الذكاء الاصطناعي. إذا لم يشارك الطبيب في تصميم الخوارزمية من “اليوم الأول”، ستكون النتيجة أداة تقنية رائعة لكنها “غير قابلة للاستخدام” سريرياً.

2. الباثولوجي ليس “علماً دقيقاً” كما يظن المبرمجون

إحدى أكبر الصدمات التي يواجهها مهندسو البيانات عند دخولهم مجالنا هي اكتشافهم أن الباثولوجي ليس 1+1=2.

المبرمج يرى: بيانات، بكسلات، وأرقام مطلقة.

الطبيب يرى: تباين بيولوجي (Variability)، سياق مرض، وذاتية (Subjectivity) في التقييم.

هذا “الغموض الفني” هو جوهر الطب. المبرمج يحتاج لطبيب يشرح له أن الاختلاف في شكل الخلايا لا يعني بالضرورة نمطاً مختلفاً، بل قد يكون مجرد Artifact. بدون هذا التوجيه، ستتدرب الخوارزميات على “الضوضاء” بدلاً من الإشارات الحقيقية.

3. أين تكمن القيمة الحقيقية؟ (ليس في السرعة فقط)

هناك اعتقاد خاطئ بأن الـ AI جاء ليسرع العمل الروتيني فقط. الحقيقة أن أطباء الباثولوجي سريعون وفعالون جداً بالفعل، وتكلفة التشخيص الروتيني “بالعين” منخفضة نسبياً. لذلك، الأدوات التي تحاول فقط “تقليد” ما نفعله بسرعة، غالباً ما تفشل في إثبات جدواها الاقتصادية.

الثورة الحقيقية تكمن في “ما لا تراه العين”:

التنبؤ بالاستجابة للعلاج (Predictive Biomarkers).

التحليل الكمي الدقيق (Quantification) الذي يتجاوز التقدير البشري.

استخراج معلومات جينومية من صور الأنسجة (Prognostics).

هنا نحتاج الذكاء الاصطناعي: ليكون “عدسة خارقة” ترى ما نعجز عن رؤيته، وليس مجرد مساعد يقوم بالعمل الروتيني.

4. المسؤولية النهائية: الإنسان أولاً

مهما تطورت التكنولوجيا، يبقى السؤال الأخلاقي والقانوني: من يتحمل المسؤولية؟
الخوارزمية لا يمكن مقاضاتها، ولا تملك “رخصة مزاولة مهنة”. المسؤولية تقع دائماً على عاتق الطبيب البشري.

كما أشار مقال حديث في Time Magazine، الذكاء الاصطناعي قد يُحدث ثورة، لكنه لا يملك “الرحمة” ولا “الحكم السريري المعقد” (Critical Thinking). لذا، يجب أن تظل القيادة بيد البشر، بينما يعمل الـ AI كمساعد طيار ذكي وموثوق.

الخلاصة

الرسالة واضحة للمطورين ولنا كأطباء: التعاون المتعدد التخصصات (Multidisciplinary approach) هو الحل.
لا يمكن بناء مستقبل الديجيتال باثولوجي في غرف الخوادم المغلقة. يجب أن تُبنى الخوارزميات جنباً إلى جنب مع من سيستخدمونها.

إذا كنت طبيب باثولوجي، لا تخف من التكنولوجيا، بل شارك في صنعها لضمان أنها تخدم مرضاك، لا أن تزيد أعباءك.